التوطين لم يعد تصنيعاً فقط.. كيف تبني “إتش بي إي” سلسلة قيمة تقنية متكاملة في السعودية؟

حوار سامر صلاح لـ “Tech News Arabia” التوطين التقني يمتد من تصنيع البنية التحتية محلياً إلى تطوير البرمجيات والملكية الفكرية وتنفيذ الحلول ودعمها من داخل المملكة
لم يعد توطين التقنية في المملكة العربية السعودية يقتصر على تصنيع الأجهزة والخوادم محلياً، بل يتجه نحو بناء سلسلة قيمة متكاملة تشمل البنية التحتية والبرمجيات والملكية الفكرية والمواهب، وصولاً إلى تنفيذ الحلول ودعمها من داخل المملكة.
هذا التحول يشكل محور رؤية شركة “إتش بي إي” (HPE) للسوق السعودية، وفق ما أوضحه سامر صلاح، مدير البرامج الاستراتيجية لتطوير الأسواق في الشرق الأوسط بالشركة، خلال مقابلة مع موقع “Tech News Arabia” على هامش معرض LEAP 2026.
ويرى صلاح أن قياس التوطين لم يعد يرتبط فقط بمكان تصنيع الخادم أو تجميعه، بل بمدى قدرة المنظومة التقنية المحلية على تطوير الحلول وامتلاك المعرفة والملكية الفكرية المرتبطة بها، وتخصيصها وفق احتياجات السوق، ثم تنفيذها ودعمها محلياً.
ومن هذا المنطلق، تعمل «إتش بي إي» على نموذج يبدأ بتصنيع البنية التحتية داخل المملكة، ويمر بتطوير برمجيات وحلول بأيدٍ سعودية، وينتهي بتحويلها إلى تطبيقات عملية تخدم قطاعات حيوية. وهي سلسلة تقدم، وفق صلاح، ترجمة عملية لمفهوم السيادة التقنية.
الابتكار يبدأ من المشكلة لا من التقنية
وفي حديثه عن الابتكار، يطرح صلاح مفهوماً يتجاوز السعي إلى اختراع تقنية جديدة. فالابتكار، من وجهة نظره، يتمثل في القدرة على الجمع بين التقنيات المتاحة والمواهب المحلية واحتياجات السوق والأولويات المستقبلية للمملكة، لإيجاد حلول تحمل قيمة اقتصادية وتشغيلية واضحة.
وعلى هذا المفهوم تقوم رؤية مركز الابتكار السعودي الذي أعلنت «إتش بي إي» وإنتل خططاً لإنشائه في الرياض، ليشكل بيئة تجمع العملاء ومقدمي الحلول والشركات الناشئة والشركاء، بهدف التعاون واختبار الحلول والتحقق من جاهزيتها التقنية ودعم تطوير تقنيات سعودية.
وبحسب صلاح، يتمثل دور الشركة في توفير البيئة والخبرات والبنية التقنية التي تساعد العقول السعودية على تطوير حلولها، وليس الحلول محلها.
وتنطلق هذه العملية من قراءة الأولويات التقنية للسوق السعودية في المرحلة المقبلة، ومنها الذكاء الاصطناعي الفيزيائي، والتطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي، وإدارة مراكز البيانات وتنمية المواهب، مع التركيز على تحويل هذه الأولويات إلى حلول قابلة للتطبيق في قطاعات فعلية مثل الرعاية الصحية والصناعة والطاقة والنفط والغاز وإدارة الحشود والعمليات التشغيلية.
من الفكرة إلى منتج قابل للتنفيذ
وشرح صلاح أن الآلية تبدأ بدراسة احتياجات السوق، ثم ترشيح الشركات السعودية المؤهلة بدعم من وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، وفق معيارين أساسيين: أن تكون الشركة سعودية تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي، وأن تكون حاصلة على عضوية «تقنية سعودية».
بعد ذلك، تخضع الأفكار للتقييم لقياس القيمة التي يمكن أن تحققها، قبل انتقال الشركات التي تجتاز مرحلة الترشيح إلى التمكين التقني، حيث تحصل على البيئة والخبرات اللازمة لبناء نموذج أولي.
وتأتي بعدها مرحلة دمج البرمجيات مع البنية التحتية، ثم تخصيص المنتج وفق احتياجات العميل، واختباره والتحقق من جاهزيته قبل الانتقال إلى التنفيذ والطرح في السوق.
ويشير صلاح إلى أن دعم الشركات الناشئة لا يعني بالضرورة تقديم تمويل نقدي، إذ يمكن أن تتمثل القيمة الأكبر في إتاحة بنية تقنية متقدمة وحالات استخدام حقيقية وبيئات اختبار يصعب على الشركات الناشئة تأمينها بمفردها.
منظومة تجمع الشركات العالمية والسعودية
وتقوم مبادرة “صُنِّع وطُوِّر ونُفِّذ في السعودية” (Saudi Made, Developed, Deployed) على تعاون بين «إتش بي إي» وإنتل ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، بهدف تسريع تطوير حلول الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي المطورة محلياً والتحقق من جاهزيتها والوصول بها إلى السوق.
وتشارك ثلاث شركات سعودية، هي شاهين للذكاء الاصطناعي ومزن وأومني أوبس، بوصفها شركاء برمجيات مؤسسين، فيما تتولى شركة النهل للكمبيوتر دور الشريك الرئيسي في تكامل الأنظمة والتنفيذ، بما يشمل تسليم المشاريع وتهيئة العملاء وتقديم الدعم التشغيلي المستمر.
وفي موازاة ذلك، تتعاون «إتش بي إي» مع الفنار في تصنيع وتجميع الأنظمة داخل المملكة. وقد توسعت هذه الشراكة لتشمل ما تطلق عليه الشركة “خدمات المصنع” (Factory Services)، التي تتيح دمج الأنظمة المصنعة محلياً وتهيئتها واختبارها قبل انتقالها إلى بيئة العميل، إلى جانب خدمات الاعتماد وضمان الجودة والتجهيز للتشغيل.
ويعني ذلك أن عملية التوطين لا تنتهي بخروج جهاز من خط إنتاج محلي، وإنما تمتد إلى تجهيز منظومة تقنية متكاملة وقابلة للتشغيل الفعلي.
التوأم الرقمي.. من المحاكاة إلى القرار التشغيلي
ويقدم صلاح التوأم الرقمي مثالاً عملياً على نوعية الحلول التي يمكن أن تنتجها هذه المنظومة.
فالحل يقوم على محاكاة البيئة الواقعية رقمياً والاستفادة من البيانات والقدرات الحاسوبية لفهم ما يحدث فيها، ثم تحويل هذه الرؤية إلى قرارات وحلول تشغيلية لمشكلات يصعب التعامل معها بالطرق التقليدية.
ويضرب صلاح مثالاً بإدارة الحشود، حيث يمكن استخدام التقنية لفهم حركة الأفراد وأنماط التدفق والاستجابة للمتغيرات التشغيلية. ويمكن تطبيق المنطق نفسه في قطاع الخدمات اللوجستية، من خلال دراسة كيفية توزيع أحمال الحاويات داخل الناقلة وترتيبها وآلية تفريغها، والتحقق من كفاءة التوزيع.
ويرى أن التقنية نفسها قابلة للتطبيق في حالات استخدام أخرى في الصناعة والطاقة والنفط والغاز، وغيرها من القطاعات التي تحتاج إلى محاكاة البيئات المعقدة وتحويل البيانات إلى قرارات تشغيلية.
لكن الوصول إلى منتج قابل للتطبيق لا ينتهي بمجرد دمج البرمجيات مع الأجهزة. فلكل عميل بيئة ومتطلبات مختلفة، ما يستدعي تخصيص الحل والتحقق من جدواه واختباره في ظروف تشغيلية حقيقية قبل تنفيذه على نطاق أوسع.
“صُنِّع وطُوِّر ونُفِّذ في السعودية”
وتختصر المبادرة هذا التوجه في ثلاث حلقات مترابطة: بنية تحتية مصنعة في السعودية، وبرمجيات وملكية فكرية مطورة في المملكة، ثم تنفيذ ودعم تقدمهما جهات تعمل من داخل السعودية.
ويظهر هذا النموذج، وفق صلاح، في الجمع بين بنية تحتية مصنعة محلياً، وحلول برمجية مثل التوأم الرقمي المطور بالتعاون مع شركة شاهين، ثم توظيفها في حالة استخدام فعلية مثل إدارة الحشود.
وتحمل هذه المقاربة تحولاً مهماً في مفهوم التوطين، إذ لا تتوقف القيمة الاقتصادية عند تصنيع المعدات، وإنما تمتد إلى المعرفة والخبرات والبرمجيات والخدمات التي ترافق المنتج طوال دورة حياته.
وبذلك يصبح السؤال مختلفاً: ليس فقط كم من التقنية يمكن تصنيعه داخل المملكة، وإنما كم من القيمة المرتبطة بهذه التقنية يمكن تطويره والاحتفاظ به داخل الاقتصاد المحلي؟
الرعاية الصحية.. فرصة تصل إلى 300 مليون دولار
ويبرز قطاع الرعاية الصحية كأحد المجالات التي يمكن أن يظهر فيها أثر هذا النموذج بصورة واضحة.
ويشير صلاح إلى أن الشركات التي تعمل على بناء حلول تقنية للرعاية الصحية كانت تضطر في السابق إلى المرور بمراحل من التصنيع والتجميع والاعتماد خارج المملكة، فيما تسعى المبادرة إلى نقل هذه الدورة إلى الداخل، بما يسمح بتطوير الحل وتصنيعه وتجهيزه واختباره ضمن المنظومة المحلية.
وبحسب صلاح، تشير دراسات حديثة للسوق إلى أن حجم الفرصة في قطاع الرعاية الصحية قد يتراوح بين 100 مليون و300 مليون دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة، أي ما يعادل نحو 375 مليوناً إلى 1.125 مليار ريال سعودي.
ولا تكمن أهمية هذه التقديرات في حجم السوق وحده، بل في مقدار القيمة التي يمكن الاحتفاظ بها محلياً عندما تصبح مراحل أكبر من تطوير الحلول وتصنيعها وتنفيذها جزءاً من الاقتصاد السعودي.
من استيراد التقنية إلى بناء القدرة التقنية
وتكشف الرؤية التي عرضها صلاح عن مرحلة جديدة في العلاقة بين الشركات التقنية العالمية والسوق السعودية. فبدلاً من نموذج يقوم بصورة أساسية على توفير منتجات وحلول عالمية للسوق المحلية، تتجه العلاقة نحو بناء منظومة تشارك فيها الشركات الناشئة والمطورون والمصنعون ومتكاملو الأنظمة والجهات الحكومية والعملاء.
وفي هذا النموذج، لا تصبح الشركة الناشئة مجرد مستفيد من برنامج دعم، وإنما جزءاً من سلسلة إنتاج تقنية يمكن أن تنقل فكرتها من مشكلة في السوق إلى برمجية، ثم إلى منتج مدمج مع بنية تحتية، وصولاً إلى حل يعمل لدى عميل فعلي.
ويستند هذا التوجه إلى قاعدة صناعية بدأت «إتش بي إي» في بنائها قبل سنوات. فمنذ 2024، تنتج الشركة بالتعاون مع الفنار خوادم HPE ProLiant في منشأة بالرياض، قبل أن توسع محفظة «صناعة سعودية» تدريجياً، وصولاً في 2026 إلى إضافة الجيل الجديد من خوادم ProLiant Compute Gen12 وحلول تخزين جديدة.
وهنا ربما يكمن التحول الأهم في مفهوم التوطين: الانتقال من سؤال «أين صُنعت التقنية؟» إلى سؤال أوسع وأكثر تأثيراً، هو «أين صُنعت قيمتها؟».
وبقدر ما تستطيع المملكة الاحتفاظ بمراحل التطوير والملكية الفكرية والتصنيع والتكامل والتنفيذ والدعم داخل اقتصادها، يقترب التوطين من هدف أكبر، يتمثل في بناء قدرة تقنية محلية قادرة على تطوير الحلول وتشغيلها وتوسيع نطاقها، وليس مجرد استهلاكها.
في هذه النسخة أضفت أيضاً الخلفية التاريخية منذ 2024 لأنها تقوي الخاتمة وتثبت أن المبادرة الجديدة ليست إعلاناً منفصلاً، بل تطور لعملية توطين بدأت فعلياً بإنتاج خوادم HPE في الرياض، ثم توسعت في 2026 إلى Gen12 والتخزين وخدمات المصنع. وهذا مؤكد في بيانات HPE الرسمية (Hewlett Packard Enterprise).
إعلان HPE الرسمي في LEAP 2026




